بواسطة: ابوعلي المقدسي بتاريخ : الجمعة 19-06-2009 11:30 مساء
المثقفون والمبدعون في بلادنا ليسوا عاملاً طارئاً، ولا يمثلون ظاهرة موسمية انتهت أو في طريقها إلى الانتهاء، فقد لعبوا دوراً طليعياً منذ بداية القرن الماضي، نبهوا مبكراً للأخطار والمطامع التي تهددت الوطن، وناضلوا ضد الاستعمار والهيمنة، ودفع عدد كبير منهم الثمن سجناً وملاحقة ونفياً، بل إنّ بعضهم قد التحق بكوكبة الشهداء.
كان للمثقف والمبدع رسالته وتأثيره واحترامه، وكانت مواقفه تشكل أنموذجا يحتذى من قبل الآخرين. وحينما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة تسابق المثقفون للالتحاق بفصائلها ومؤسسات منظمة التحرير فيما بعد، حيث شكلت النتاجات الثقافية والفكرية والإبداعية سياجاً حامياً للثورة، من خلال الدور التعبوي والتحشيدي، جنباً إلى جنب مع الارتقاء بالذائقة الفلسطينية، شعراً وموسيقى ومسرحاً وفناً تشكيلياً ورواية وقصة قصيرة، وكذلك في الإعلام والعمل البحثي.
لكن المثقفين والمبدعين لم يتسن لهم التحرر من التجاذبات السياسية والفصائلية على الساحة بل أقحموا فيها. وخضعت مواقفهم وتوجهاتهم لعمليات استقطاب واسعة، نظراً لما مثلوه من قيمة ثقافية وسياسية، حتى أنّ عدداً منهم قد تم استمالتهم مالياً ومعنوياً، فصمت البعض أو انسحب تدريجياً بعيداً عن دائرة الفعل، فيما استمر بعض آخر في العمل كبوق لمن يدفع ويحمي.
أما الجزء الثالث، فقد بقي قابضاً على الجمر، يناضل في مقدمة الصفوف، وكان ثمن ذلك باهظاً، من اعتقال ونفي واستشهاد. ولو أخذنا تجربة الانتفاضة الأولى لوجدنا أنّ عدداً لا بأس به من المثقفين والمبدعين، قد زج به في معتقل النقب الصحراوي مرة أو مرتين أو أكثر. بيد أنّ الهبوط التدريجي في السقف السياسي، أدى إلى هبوط في سقف المثقفين والمبدعين في السنوات الأخيرة، حيث كان المفروض أنْ يستبسل المثقفون في رفع سقف السياسي، لا سيما وان العملية الثقافية والإبداعية بشكل عام، لا يمكن لها أن تصل إلى درجات متقدمة شكلاً ومضموناً، بمعزل عن التشبث بالحلم أو العمل بوحيه والحقيقة أنّ هذا يقودنا للبحث مجدداً في علاقة السياسي بالإبداعي والثقافي في بلادنا، علماً انه كتب حول ذلك الكثير وما زالت هذه القضية بحاجة إلى مزيد من البحث والتحليل للخروج باستخلاصات جدية تصوب العلاقة، وتحرر الثقافي والإبداعي من اسر التبعية للسياسي. لكن أمام ما يعصف بالوطن من تحديات، وأمام الانقسام الخطير الذي أساء لمسيرة طويلة من النضال والتضحيات، ما الذي يقدمه المثقف والمبدع، وهل ارتقى العطاء إلى مستوى الخطر الذي بدأ يقضم القضية شيئاً فشيئاً، نتيجة العصبوية والفئوية والانغلاق على الذات وتفضيل مصلحة الفصيل على مصلحة الوطن والشعب، بدل أنْ يكون الفصيل عامل رفع للوطن والقضية!!
إنّ أداء المثقف في بلادنا في السنوات الأخيرة، ظل ضعيفاً وهامشياً، وقد افتقر للجرأة، بوضع النقاط على الحروف، ووضع الإصبع بشكل واضح على تجاوزات المتجاوزين، وجر القضية إلى الخلف بدل المضي قدماً بها في كل المحافل وعلى جميع المستويات محلياً وعربياً ودولياً.
وحال المثقف يمكن توصيفه على النحو التالي:
مثقف ومبدع يميل للصمت هذه الأيام، مع استثناءات طفيفة، أو أنه يندفع خلف العصبوية، يؤيدها ويردد شعاراتها مثقف تتيه بوصلته، ولا يبذل جهوداً جدية لتصويب المسار.
مثقف تلتبس عليه الأمور، لا يدري متى يؤيد الحكومة ومتى يعارضها، وإذا أيدها لماذا ومن اجل ماذا؟ وإذا عارضها، هل يعارض في إطار فلسفة ورؤية أم معارضة محكومة بحسابات ضيقة.
إنّ الوطن هذه الأيام بحاجة إلى مثقف يقظ، مبادر، يتحمل المسؤولية لا يقف على رصيف حركة الفعل ، إما يرقب عن بعد، أو يلعن من ينتجون ويعملون. إنّ الوطن بحاجة إلى مثقف يبني مؤسسته ويدافع عنها، مثقف يضع كل طاقاته وإمكاناته من أجل أن تسير عجلة الحياة في بلادنا إلى الأمام، اقتصاداً وسياسة وفكراً، لا آن تظل تراوح في مكانها، أو أن تصبح أسيرة للدفع الخلفي.
فيا مثقفي فلسطين استيقظوا ففي المرحلة الظلماء، كم شعبكم بحاجة إلى قناديل مبادراتكم، فصمت الأقلام والأصوات يعني المشاركة في إطالة عمر الليل.
(